أثر تغير المناخ على المناطق الحضرية في المنطقة العربية واستراتيجيات التكيف المحتملة

 

تشهد الدول العربية نمواً حضرياُ كبيراً، حيث يعيش حاليا 56% من سكان الوطن العربي في المدن والمراكز الحضرية، ومن المتوقع ان يزداد عدد السكان في المدن والمناطق الحضرية بنسبة 75% بحلول العام 2050 . ساهمت الظواهر الطبيعية المختلفة كالجفاف والقحط  الى جانب تحسين الخدمات الاجتماعية وخدمات البنى التحتية في المدن في تسريع عملية التحضر وزيادة النزوح من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية في المنطقة العربية.  وتشير أحدث البيانات إلى وجود تباين كبير بين الدول على مستوى الانقسام بين الحضر والريف؛ حيث أن بعض البلدان أصبحت حضرية بشكل شبه كامل (98% من سكان الكويت يعيشون في المناطق الحضرية) بينما لا تزال البلدان الأخرى ذات طابع ريفي إلى حد كبير (يقيم أكثر من 50% من سكان مصر، وموريتانيا، والصومال، واليمن في المناطق الريفية).

 

ويسود الاعتقاد بأن تأثير التغير المناخي في المدن أقلّ من تأثيره في المناطق الريفية، فإنّ سبل كسب العيش في المناطق الحضرية أقل اعتماداً نسبيًا على البيئة الطبيعية. غير أن المدن العربية لم تعد معزولة عن تغيرات المناخ وارتفاع معدلات درجات الحرارة. فقد كان العام 2010  العام الأكثر حرارةً منذ أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر، حيث سجلت 19 دولة مستويات جديدة لارتفاع درجات الحرارة خلال ذلك العام، من بينها خمس دول عربية منها الكويت التي سجلت رقما قياسيا في ارتفاغ درجة الحرارة بلغ52.6 %، وتلاه ارتفاع آخر في العام 2011 حين ارتفعت  درجة الحرارة بنسبة 53.5  %.  

 

إعتاد سكان المنطقة العربية على التأقلم مع الحرارة الشديدة والجفاف، ولكن ستواجه المناطق الحضرية تحديات اكبر واكثر شمولية؛ إذ تشير توقعات التغير المناخي إلى تزايد في متوسط درجات الحرارة بمقدار 3 درجات مئوية في جميع أنحاء المنطقة بحلول العام 2050، مع ارتفاع درجات الحرارة ليلاً في المدن بـ3 درجات مئوية إضافية بسبب ظاهرة "جزيرة الحرارة الحضرية".  إن المنطقة العربية حالياً هي المنطقة الأكثر تضرراً من ارتفاع درجات الحرارة  في العالم ويعود ذلك إلى الإشعاع الشمسي العالي ونوع التربة التي تميل إلى امتصاص وتخزين الحرارة.  أضف إلى ذلك تأثير ظاهرة "جزيرة الحرارة الحضرية" وتردي نوعية الهواء في المدن ما سيؤدّي في نهاية المطاف إلى ارتفاع شديد في درجات الحرارة؛ الأمر الذي سيشكل مشكلة لدى معظم سكان المدن العربية التي لا تزال تعتمد على التبريد السلبي من أجل خفض درجات الحرارة في المباني.

 

من شأن التفاعل القائم  بين المخاطر الطبيعية في المنطقة العربية، وتأثيرات تغير المناخ، وندرة المياه، وانعدام الاكتفاء الذاتي الغذائيأن يشكّل تحديًا خطيرًا امام السياسات والخطط في جميع البلدان والمدن العربية. فعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، ألقت الكوارث المناخية بظلالها على حوالي 50 مليون شخصً في المنطقة العربية ، وبلغت الكلفة الناجمة عن هذه الكوارث11.5 مليار دولار أمريكي. وعلى الرغم من ضخامة هذا المبلغ، فهو لا يعكس الحجم الحقيقي لتلك التكاليف والخسائر. فغالبًا ما يتم الإبلاغ عن تكاليف الأضرار الناجمة عن 17% فقط من الكوارث، ونادرًا ما يتم رصد المعاناة التي تعقب الخسائر في الأرواح وفي سبل العيش.

 

وتشكل ضحايا الجفاف والفيضانات 98% من مجموع الأشخاص المتضررين من الكوارث المرتبطة بالمناخ، وما من توجه واضح لهذه الكوارث سوى على مستوى وتيرة تكرارها أو تداعياتها التي تنعكس في الحوادث والأضرار الموسمية الهائلة. وغالبا ما يؤدي معدل التحضر المرتفع في المنطقة، ولا سيما في المناطق الساحلية، إلى تفاقم الآثار الناجمة عن الجفاف، والعواصف، والفيضانات السريعة، والانهيارات الأرضية. إلى جانب ذلك، تزداد وتيرة وقوع الفيضانات والجفاف ما يُعّرض  حوالي 25 مليون شحص من سكان الحضر إلى خطر الفيضانات.  

وفي هذا السياق، ازدادت وتيرة حدوث الفيضانات السريعة في عدد كبير من المدن العربية بسبب ازدياد كثافة هطول الأمطار في فترة زمنية محدودة، وانتشار الأسطح الخرسانية التي لا تمتص الماء، وقلة ونقص كفاءة شبكات الصرف الصحي وانسدادها، وانتشار البناء في المناطق ذات الانحدارات المنخفضة والوديان. وبالتالي، تضاعف عدد السكان المتضررين من الفيضانات في المدن العربية خلال السنوات العشر الماضية ليصل إلى 500,000 شخص في مختلف أنحاء المنطقة، حيث اسفرت الفيضانات السريعة في كل من مدينة جدة السعودية عام 2009 عن مقتل ما يزيد عن 116 شخص وتجاوزت الخسائر المالية 427 مليون دولار. اما في مدينة فاس المغربية، فقد اودت الفيضانات بحياة 30 شخصا، كما شهد عدد كبير من المدن في الجزائر العديد من الفيضانات

عام 2012 والتي اودت بحياة ما يزيد عن 48 شخصاً. أمّا في سلطنة عُمان، فقد شهدت المدن الساحلية عام 2007 اعاصيرًا وفيضانات ساحلية اودت بحياة ما يزيد عن 30 شخصًا. وعانت مدينة العقبة الاردنية في تشرين الاول من العام 2012 من فيضانات سريعة ادت الى مقتل شخصين وتدمير العديد من المنازل والممتلكات.  

 

سعيًا إلى التخفيف من حدّة هذه المخاطر وزيادة قدرة المدن على مواجهة تحديات التغير المناخي والتكيف معها، من الممكن اعتماد إجراءيْن اثنيْن من أجل زيادة قدرة المدن العربية على مواجهة تداعيات المناخ؛ يكمن الإجراء الأول في تحسين التخطيط الحضري وتقديم الخدمات البلدية بما يتناسب مع التغيرات المناخية المتوقعة، فإنّ عددًا كبيرًا من المدن العربية لم يتكيف مع الظروف الراهنة  وليس مستعدًا لمواجهة هذه التغيرات. وتشمل الخطوات الأساسية على مستوى المدن الاهتمام ببناء القدرات الخاصة بإدماج دراسات وسيناريوهات تغيرات المناخ بأسس التخطيط الحضري والعمراني، مع الاخذ بعين الاعتبار حجم ووتيرة حدوث الكوارث الطبيعية المرتبطة بتغير المناخ عند القيام بالتخطيط الحضري، لا سيّما التخطيط المتعلّق بالبنى التحتية كشبكة تصريف مياه الامطار. كما ينبغي الاهتمام بإنفاذ اللوائح القائمة والمرتبطة بشكل اساسي برموز البناء وتقسيم المناطق، حيث يجب تحديد النطاقات المعرضة لخطر الكوارث المرتبطة بالتغيرات المناخية واعتبارها مناطق ذات حساسية عالية، وبالتالي، ينبغي تجنّب اقامة المباني الاستراتيجية والضخمة والعرضة للخطر في المناطق ذات الخطورة العالية.  كما يجب اعتماد اللامركزية في عملية اتخاذ القرار وجعلها أكثر شموليةً  ما يسمح  لإدارة المدن أن تكون قادرة ماليا وفنياً على ادماج سيناريوهات التغييرات المناخية بعملية التخطيط الحضري. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى التقدم الملحوظ في صياغة قوانين البناء الموحد منذ العام 1990، بما في ذلك سنّ قوانين وطنية للمباني الخضراء مثل تصنيفات اللؤلؤة في الإمارات العربية المتحدة "استدامة"، والتي تركز على المجتمعات المستدامة بيئياً، بالإضافة الى استحداث برامج خاصة تُعنى بتخضير المدن والمساهمة في الحد من انبعاثات غازات الدفيئة والتكيف مع التغيرات المناخية على حدّ سواء مثل برنامج عمّان للنمو الاخضر. ويشمل هذا البرنامج مختلف العناصر التي تؤثر على تغيرات المناخ وتتأثر بها على مستوى المدينة، ويجمع ما بين الحد من التغيرات المناخية والتكيف معها من خلال تصميم وتنفيذ مجموعة من المشاريع ضمن قطاعات النقل المستدام، والزراعة الحضرية، إلى جانب استخدام الطاقة المتجددة، وزيادة كفاءة استخدام الطاقة لانارة المباني والطرق، بالاضافة الى اعادة استخدام المياه العادمة والرمادية لزيادة المساحات الخضراء في المدينة واستخدام النباتات المقاومة للجفاف.

أما الإجراء الثاني فيستجيب في شكل خاص إلى المخاطر المرتبطة بتغير المناخ. ويشمل هذا الإجراء تقييم قابلية التأثر بالتغيرات المناخية بهدف التعرّف على البنى التحتية الحيوية وتحديد مدى تعرضها لمخاطر المناخ، إلى جانب تحديد خيارات التكيف ومنحنيات تكاليف التكيف التي من شأنها أن تسمح بإجراء مقارنات أكثر اتساقا بين فوائد تطبيق اجراءات التكيف وتكاليف عدم تطبيقها على المدى القصير والطويل.  وقد بادر عدد من المدن العربية، وخصوصا الساحلية منها، إلى الاعتماد على سيناروهات التغيرات المناخية في التخطيط الطويل الامد، وهو ما يتمّ اعتماده حاليا في كل من مدينة تونس العاصمة والدار البيضاء في المغرب والاسكندرية في مصر، حيث تم اجراء دراسات تحليلية تفصيلية لتوقع حجم التغيرات المناخية الطويلة الامد والاثار والمخاطر الطبيعية المرتبطة بالتغير المناخي، ومن ثم تمّ إدماج هذه الدراسات والسيناريوهات في عملية التخطيط الحضري.

في النهاية، يعتمد نجاح عمليات التكيف مع تغير المناخ في المراكز الحضرية العربية على إنفاذ السياسات المعنية بتغيرات المناخ عبر القطاعات المختلفة (المياه، النقل، الزراعة، السياحة، التخطيط، الطاقة) وبطريقة تعاونية بين القطاعين العام والخاص من جهة، وبين الحكومات المركزية والمحلية (على مستوى المدينة) والمجتمع المدني من جهة أخرى.

 

آمل الدبابسة